عين سحرية بين زمن الصدمة وزمن الحلمية.. رؤية: محمود مصطفى هلال
الحقيقة أن مسلسل عين سحرية يعدُّ من أجملِ أعمالِ النصفِ الأولِ من شهرِ رمضانَ؛ عملٌ مختلفٌ في المضمونِ والأسلوبِ، بدءًا من الفكرةِ الذكيةِ للكاتبةِ لانا الجندي، وصياغةِ السيناريو المتميزةِ للسيناريستِ المبدعِ هشام هلال، والذي شاركَه في كتابةِ السيناريو والحوارِ الكاتبُ محمود حسن عبد العليم، وصولًا إلى الإخراجِ المتمكنِ جدًّا من المخرجِ المبدعِ السدير مسعود، الذي أثبتَ أنه يعشقُ مهنتَه ويحترمُ عقليةَ المشاهدِ ليكونَ مفاجأةَ رمضانَ هذا العامَ. وحقيقةً، نحن أمامَ مسلسلٍ جميلٍ يمسكُ بنبضِ الواقعِ، ويعبرُ بصدقٍ عن معاناةِ الشبابِ والطبقةِ المتوسطةِ.
لقد جاءَ المسلسلُ متكاملًا في كلِّ عناصرِه؛ من السيناريو والديكورِ, إلى التصويرِ والإضاءةِ، وصولًا إلى المونتاجِ والموسيقى التصويريةِ، حيثُ انسجمتْ كلُّ هذه الأدواتِ لتقدمَ عملًا عاليَ الجودةِ. وتجلى هذا التميزُ في السردِ والبناءِ الفنيِّ، والاهتمامِ البالغِ بالتفاصيلِ؛ سواءً كانَ ذلك في السردِ القصصيِّ أو السردِ البصريِّ، واستخدامِ المكانِ كشخصيةٍ مستقلةٍ تؤثرُ في الأبطالِ وتساهمُ في تطورِ القصةِ الدراميةِ. والحكايةُ، رغمَ بساطةِ حكيِها، عميقةٌ جدًّا؛ فالسيناريو متماسكٌ والأحداثُ متلاحقةٌ دونَ مللٍ أو تشتيتٍ للمتفرجِ، بمشاهدَ إنسانيةٍ أعادتنا إلى عصرِ الدراما الذهبيِّ، والتشخيصِ الجيدِ للشخصيةِ وفهمِ دوافعِها، حيثُ البطلُ ليسَ اسمَ النجمِ، بل القصةُ هي البطولةُ والمحركُ الأساسيُّ، تمامًا كما كانَ في روائعِ الكاتبِ الكبيرِ أسامة أنور عكاشة مثل ليالي الحلمية، الشهد والدموع، والمصراوية، وأيضًا كتاباتِ محمد صفاء عامر، والكاتبِ الكبيرِ محمد جلال عبد القوي في رائعتهِ المال والبنون.
وقد شهدَ العملُ مباراةً تمثيليةً عظيمةً بينَ أبطالِه، تجسدتْ في الأداءِ الرفيعِ للفنانِ عصام عمر؛ الموهوبِ خفيفِ الظلِّ الذي يثبتُ في كلِّ مرةٍ أنه مشخصاتيٌّ حقيقيٌّ، والفنانِ القديرِ باسم سمرة بحضورِه العظيمِ والمبدعِ كالعادةِ. كما قدمَ الشابُّ عمر شريف شخصيةَ حسن (أخو عادل) ببراعةٍ تؤكدُ أنَّ أمامَه مستقبلًا كبيرًا، وهو امتدادٌ لتميزِه العامَ الماضي في شخصيةِ ابنِ الفنانةِ منى زكي في مسلسلِ تحت الوصاية. يُضافُ إلى ذلكَ الأداءُ اللافتُ للمبدعِ محمد علاء، والفنانةِ المبدعةِ فاتن سعيد، وجنا الأشقر، بجانبِ الحضورِ الوازنِ للأستاذِ الكبيرِ ياسر علي ماهر، ومفاجأةِ الموسمِ الفنانِ الجميلِ أحمد بيلا. أما الإبداعُ كله والامتيازُ فيتجسدُ في أداءِ الأستاذةِ القديرةِ سما إبراهيم لشخصيةِ الأمِّ؛ إذ لعبتِ الدورَ بكلِّ بساطةٍ وعمقٍ في التفاصيلِ، في أداءٍ أبكى المشاهدينَ وجعلَنا نتعلقُ بالشخصيةِ وكأنها حقيقيةٌ.
وبرعَ السيناريستُ هشام هلال في كتابةِ المسلسلِ بامتيازٍ، وحتى الملاحظاتُ الطفيفةُ لا تعيبُ هذا البناءَ الرصينَ الذي تآزرتْ فيه أدواتُ صناعِ العملِ لخدمةِ الفكرةِ؛ حيثُ كانَ استخدامُ الإضاءةِ والديكورِ لمهندسِ الديكورِ أحمد فايز ذكيًّا للتعبيرِ عن خلجاتِ الشخصياتِ، إذ غلبَ اللونُ الغامقُ على الإضاءةِ في أغلبِ الأوقاتِ ليعكسَ غموضَ حياةِ الشابِّ عادل، وثِقلَ ماضيه وتاريخِ والدِه المتهمِ بالسرقةِ. وحتى الأسماءُ لم تكنْ في صالحِ أصحابِها؛ فعادل لم يجدِ العدالةَ في دنيتِه، وحتى عندما حققَ حلمَه وامتلكَ المنزلَ وذهبَ ليفرحَ والدتَه، توفيتْ في مشهدٍ عبقريٍّ
(تصويرًا، وموسيقى، ومونتاجًا) فاقَ حدودَ التمثيلِ ليمسَّ القلوبَ. وكذلك شخصيةُ زكي التي جسدَها باسم سمرة، فرغمَ اسمِه، إلا أنه سُجنَ بسببِ المحامي الذي كانَ يدعمُه. ولم تكنِ الملابسُ التي صممتْها مروة عبد السميع مجردَ زينةٍ، بل كانتْ محركًا للأحداثِ وعاكسةً لطبيعةِ الشخصياتِ؛ فنرى زكي يرتدي دائمًا البدلةَ مع رابطةِ عنقٍ مغلقةٍ، مما يعبرُ عن شخصيتِه التي ظُلمتْ بتهمةٍ لا علاقةَ له بها، وكأنها تجسيدٌ لشعورِه بالاختناقِ.
وعلى الرغمِ من هذا البناءِ الرصينِ، إلا أنَّ ثمةَ نقاطًا كانَ يمكنُ صياغتُها بحوارٍ وكتابةٍ أكثرَ عمقًا لتلافي بعضِ الهناتِ؛ لعلَّ أبرزَها تكرارُ فكرةِ الأدويةِ الفاسدةِ أو المغشوشةِ التي قُدِّمَتْ سابقًا في مسلسلِ مسار إجباري -وإنْ جاءتْ هنا بسياقٍ مختلفٍ- حيثُ كنا نطمحُ لمعالجةِ موضوعٍ مغايرٍ يثري الفكرةَ الإنسانيةَ للمسلسلِ ويمنحُها أبعادًا جديدةً. كما أخذَ العملُ مأخذَ الإرشادِ المباشرِ في بعضِ المواضعِ، مثلَ وضعِ الأرقامِ والتعليماتِ التوعويةِ، وهو ما يتنافى مع جوهرِ الدراما ووظيفتِها الفنيةِ؛ فالإرشادُ المباشرُ يفقدُ العملَ بريقَه الإبداعيَّ ويجلبُ المللَ للمشاهدِ، وهو التوجهُ ذاتُه الذي أهبطَ نهايةَ مسلسلِ حد أقصى لتغدوَ نهايةً متواضعةً جدًّا حينَ تحولَ الأبطالُ إلى مرشدينَ يلقنونَ النصائحَ المباشرةَ، في حينِ كانَ الأولى أنْ تُذَابَ هذه الرسائلُ التوعويةُ داخلَ نسيجِ الأحداثِ والصراعِ الدراميِّ، وتُتْرَكَ التخصصاتُ الأخرى لأصحابِها من المبدعينَ.
لقد علَّمتْنا الدراما الكلاسيكيةُ كيفَ تُصَاغُ الرسائلُ الكبرى بذكاءِ السيناريو؛ كما رأينا في النهايةِ الرائعةِ لمسلسلِ أرابيسك للكاتبِ الكبيرِ أسامة أنور عكاشة، حينَ وقفَ حسن النعماني يتحدثُ مع المساجينِ عن تاريخِ مصرَ وهويةِ فنِّها، فجاءتِ الموعظةُ منسجمةً تمامًا مع سياقِ السيناريو وتكوينِ الشخصيةِ التي سُجِنَتْ في قضيةِ تدميرِ الفيلا. وكما تجلى الإبداعُ في نهايةِ رائدةِ محمد صفاء عامر في ذئاب الجبل، والمشهدِ المشحونِ بالشجنِ بينَ البدري بدار وأختِه وردة بعدَ غيابٍ طويلٍ وصراعاتٍ مريرةٍ. وأيضًا ذلكَ المشهدُ العظيمُ المأخوذُ عن روائعِ الأديبِ الكبيرِ خيري شلبي في مسلسلِ الوتد، حينَ مَرِضَتِ الحاجة فاطمة وأرادَ ابنُها عبد العزيز أن يكسر نظامها الصارم القائم على "القوةِ في الجماعةِ"، فجاءَ مشهدُ كسرِ عودِ الحطبِ الفرديِّ بسهولةٍ، والعجزِ عن كسرِ الحزمةِ مجتمعةً، ليلخصَ الحكمةَ دونَ خطابيةٍ فجةٍ. ويمتدُ هذا النضجُ إلى روائعِ السيناريستِ الكبيرِ بشير الديك في مسلسلِ الناس في كفر عسكر، تلكَ الملحمةُ التي ناقشتْ قضيةَ فلسطينَ وسيطرةَ اليهودِ على الأرضِ من خلالِ رمزيةِ الصراعِ بينَ عائلةِ عوف بقيادةِ الحاج عبد القادر وعائلةِ شلبي التي انتزعتِ الأرضَ بكلِّ الطرقِ الملتويةِ.
وعَودًا إلى عين سحرية، فقد كانَ من المأمولِ أنْ تظهرَ بعضُ الشخصياتِ الثانويةِ بقوةٍ أكبرَ لتأجيجِ وتعميقِ الصراعِ؛ ومع ذلك، يبقى العملُ معبرًا بصدقٍ عن هويةِ الشبابِ المطحونِ الذي تلتهمُه الأيامُ بلا رحمةٍ أو إنسانيةٍ. ويُحْسَبُ للسيناريو أنه لم يسقطْ في فخِ تقديمِ البطولةِ التقليديةِ المعتادةِ، بل جاءتْ شخصيةُ عادل بطل القصة محملةً بصراعاتٍ داخليةٍ غنيةٍ، تتجاذبُها السماتُ الإيجابيةُ والسلبيةُ على حدٍّ سواءٍ، مما جعلَها شخصيةً واقعيةً وقريبةً من نبضِ المتلقي.
وقد جاءتِ الموسيقى التصويريةُ لـ خالد الكمار معبرةً وملهمةً، وتناغمتْ تمامًا مع المونتاجِ الرشيقِ لـ رامز عاطف الذي تميزَ بالسرعةِ والانتقالِ السلسِ دونَ أيِّ رتابةٍ، وتحتَ عينِ مديرِ التصويرِ المتميزِ أحمد جبر. إنَّ كلَّ الشخصياتِ، رئيسيةً كانتْ أم ثانويةً، كُتبتْ ورُسمتْ بعنايةٍ؛ حتى شخصيةُ أسماء الدكتورةِ البيطريةِ، كانتْ مرسومةً بشكلٍ جميلٍ كفتاةٍ طيبةٍ تحبُّ عادلَ رغمَ ماضي والدِه، وكأنها استمدتْ طيبتَها من الحيواناتِ التي تعالجُها، كما لفتَ الأنظارَ الأستاذُ عمرو فريد في دورِ المعلمِ عطوة.
ختامًا، كلُّ الشكرِ والتقديرِ للمنتجِ المنفذِ محمد مشيش، وعماد ربيع المشرفِ العامِّ على الإنتاجِ، ولشركةِ المتحدة، وشكرٌ خاصٌّ للمنتجةِ دينا كريم التي راعتْ عقليةَ المشاهدِ وقيمةَ الفنِّ المصريِّ؛ هذا الفنِّ الذي علمَ الجميعَ معنى الإبداعِ وقيمتَه في التعبيرِ عن المجتمعِ ومشاكلِه، ليعيدَ إلى الأذهانِ حقبةَ العمالقةِ: وحيد حامد، يسري الجندي في السيرة الهلالية وألف ليلة وليلة، وبشير الديك، والمخرجينَ الكبارِ إسماعيل عبد الحافظ، جمال عبد الحميد، أحمد توفيق، ورباب حسين.
بقلم: محمود مصطفى هلال
#محمود_مصطفى_هلال
#مسلسلات_رمضان
#مسلسل_عين_سحرية
#عصام_عمر #باسم_سمرة
تعليقات
إرسال تعليق