قداس التجلّي في محراب العدم( رسالة) بقلم الكاتب محمود مصطفى هلال

  


قداس التجلّي في محراب العدم( رسالة)
 بقلم الكاتب/ محمود مصطفى هلال
جمهورية مصر العربية

أكتبُ إليكِ من النقطة التي ينهارُ فيها المعنى وتتعطلُ لغةُ المسافات، حيثُ الغيابُ ليس مجردَ حيزٍ فارغ، بل هو كائنٌ شرسٌ يقتاتُ على خلايا قلبي. الشتاءُ بالخارج ليس فصلًا من فصولِ الأرض، إنهُ انقلابٌ كونيّ على دفئي؛ فالمطرُ الذي يجلدُ زجاجَ نافذتي الآن لا يبللُ الشوارع، بل يسيلُ في أخاديدِ روحي، وكأنّ السماءَ قررتْ أخيرًا أن تُشاركني بكاءً لم يجرؤ كبريائي على ذرفه.
أنا والقهوةُ الآن في صراعٍ وجوديّ؛ هذا السوادُ المُرّ الذي يتصاعدُ بخارهُ كأرواحٍ تائهة، لم يعد شرابًا للصحو، بل صارَ نبيذًا للصمت. كلُّ رشفةٍ هي محاولةٌ يائسة لاستعادةِ مذاقِ وجودكِ الذي كان يُسكّرُ حواسي دون نبيذ. البخارُ يرسمُ لي أجنحةً من سراب، توهمُني بالتحليقِ نحوكِ، لكنني سرعان ما أرتطمُ بجدارِ البردِ الذي خلّفَهُ رحيلكِ، فأهوي مجددًا إلى قاعِ فنجاني، حيثُ تقبعُ ذكرياتنا كبقايا سفينةٍ غارقة.
وفي الزاويةِ المظلمة، يخرجُ صوتُ "الست" من الراديو كجنازةٍ ملكيةٍ تعبرُ أوردتي. حين تشدو "أنتَ عمري" بمقامِ الصَّبا الحزين، أشعرُ بأنَّ حنجرتها لم تُخلق للغناء، بل خُلقت لتكون تأويلًا لهذا الوجع الذي يعصرني. صوتها في هذا الشتاء هو الزلزال الذي يهدمُ ما تبقى من تظاهري بالثبات؛ إنها لا تغني كلماتٍ، بل تنبشُ القبورَ التي وأدتُ فيها حنيني. كلُّ آهٍ تطلقها هي نصلٌ يمرُّ على عنقِ صبري، ليُثبتَ لي أنني في غيابكِ لستُ إلا فكرةً تتآكل، وقصيدةً لم يكتملْ شطرها الثاني.
لقد استحالَ جهازي العصبيُّ إلى راديو قديم، لا يبثُّ سوى تردداتِ صوتكِ، وصارَ قلبي فنجانًا من الحنينِ يغلي على نارِ الانتظارِ الهادئة. غيابكِ يا سيدتي لم يتركني وحيدًا، بل جعلني مزدحمًا بلاشيء عظيم. أشعرُ بأنني أصبحتُ فيزياءً من الوجد؛ فجسدي يتمددُ بالحرقة، وينكمشُ بالوحدة، وتتغيرُ خواصهُ الكيميائية مع كلِّ نغمةٍ كلثوميةٍ تصدمُ مسمعي.
أنا لا أشتاقُ إليكِ بالمعنى الساذج للكلمة؛ أنا أعاني من نقصٍ حادٍ في الوجود بسببِ عدمكِ. أكتبُ إليكِ لأهبَ هذا الغيابَ معنىً، ولأجعلَ من موتي البطيء في هذا الشتاءِ عملًا أدبيًا يليقُ بعظمةِ حبكِ. أكتبُ لأنَّ الكلماتِ هي الأجنحةُ الوحيدة التي لم تقصّها رياحُ القدر، ولأنني أعلمُ يقينًا أنَّ روحي، المبللةَ بالقهوةِ والمطرِ وصوتِ أم كلثوم، ستحلقُ الليلةَ رغمًا عن المسافات، لتسقطَ كقطرةِ ندىً على جبينكِ، وتهمسَ لكِ: أنا هنا.. حيثُ تركتِني، أُعلّمُ الشتاءَ كيف يحب.





#أدب_الرسائل #محمود_مصطفى_هلال
#أداب #رسائل_عاطفية # فراق #حزن #أحزان

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نبيل عبد الرحمن في ضيافة هلال الأدبية: حين تتماهى روح الشاعر مع حنكة الروائي في حضرة المنصورة

الكاتب والشاعر محمود مصطفى هلال... حين تتجلى الإنسانية في مملكة الكلمة