ولكن القليل منا فقط هو الإنسان أبجدية الورد بقلم محمود مصطفى هلال


أبجدية الورد_ رؤية فكرية
محمود مصطفى هلال_مصر


​من هنا نبدأ؛ من حقيقةٍ أؤمن بها يقينًا، وهي أنَّ المتعلمَ الحقيقيَّ هو مَن يَهبُ عِلمَه للحياةِ مهما كان اسمُه، أما الجاهلُ الحقيقيُّ فليس مَن يفتقرُ إلى مهارات القراءة والكتابة، وإنما هو مَن لا يُسخّرُ عِلمَه في خدمة البشرية ورُقيّها. فبأي شيءٍ يفيدُ العلم حين يبتكرُ النووي ليدمرَ الإنسانية؟ وبأي نفعٍ يعودُ العقلُ والأطفالُ يُقتلون خلف أسوار الحروب، وأين هي حقوق الإنسان وأين الحريات وسط هذا الضبابِ الكثيف؟
​إنَّ دور المثقفِ يكمنُ في بناء الأمة والتعبير عن أصالة ثقافتها وعمق عاداتها، وهو في ذلك لا يملكُ تقديم الحلول الجاهزة لكل المعضلات، بل يكفيه فخرًا أن يفتحَ شرفاتِ الروحِ لعلَّ النورَ يحتضنُ ظلامًا يسكننا. وهذا هو جوهرُ المبدع والفنان؛ فالفنُّ هو الروح، وكلنا بشرٌ ولكن القليل منا فقط هو الإنسان، لأنَّ الإنسان هو مَن يمتلك الروح التي تفيض بالجمال والإبداع. وحيث إنَّ الله هو بديعُ السماوات والأرض، فعلينا إذن أن نتأملَ تلك الصفات التي أنبتها الخالق في جوهرنا الإنساني، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام المثقف؛ أن يعيدَ للنفس البشرية معانٍ الجمال والحق، وألا تقتصرَ نظرتنا على الشوك بل تمتدَّ إلى الورد، لنجعلَ الجميع يسعى بصدقٍ نحو قيم الحب.
​غير أنَّنا، وفي غمرة هذا التزييف، نكتشفُ أننا بحاجةٍ ماسةٍ لأن نتغذى على الإنسانية منذ اللحظة التي نرضعُ فيها من أمهاتنا. نحن بحاجةٍ لتعلم العطفِ وقِيَم الجمالِ قبل أن نتعلم فك الحروف، وبحاجةٍ شديدةٍ لأن نتقنَ كيف نضحك، وكيف نحب، وكيف نكون نفسًا واحدةً في مواجهة هذا القبح.
​إنَّ العالم اليوم ليس بحاجةٍ لمزيدٍ من الآلات، بل هو في أمسِّ الحاجة إلى ذلك الاختراع الذي يقتلعُ جذور الشر من أعماقنا جميعًا. إنَّ مسؤولية المثقف هي توثيق هذا الحلم، ليكون شاهدًا على أنَّ الحق لا يموت، وأنَّ تزييف الحقائق مهما طال لن يصمدَ أمام روحٍ شابةٍ تبحثُ عن النور والورد في قلب الظلام.




#محمود_مصطفى_هلال

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قداس التجلّي في محراب العدم( رسالة) بقلم الكاتب محمود مصطفى هلال

نبيل عبد الرحمن في ضيافة هلال الأدبية: حين تتماهى روح الشاعر مع حنكة الروائي في حضرة المنصورة

الكاتب والشاعر محمود مصطفى هلال... حين تتجلى الإنسانية في مملكة الكلمة